أريدُ ألْبـاً في ألمانيا


عمرو منير دهب
nasdahab@gmail.com

رأيـْـنـا أن أعظم ما يراود أبناءَ شعوب القسم الجنوبي من الكرة الأرضية من أحلام هو العبث ببراءة تحت أجواء مماثلة لتلك التي ينعم تحتها أندادُهم من أبناء القسم الشمالي من الكرة ذاتها، وهو حلم لم تفلح العولمة – كما ذكرنا - حتى اللحظة في تحقيقه على مستوى الأجواء المفتوحة، ذلك أن الأجواء المغلقة في الجنوب قد شهدت منذ ما سبق العولمة بكثير محاكاةَ أجواء الشمال بل والتفوّق عليها برودةً في الصيف القائظ، فاعتدالُ الصيف الشمالي لا يستدعي أكثر من مروحة للتخفيف من وطأته، وإن تكن  تلك الوطأة تــَـثــْـقــل أحياناً إلى درجة تجعل الشمالـيّـين يفرُّون من بيوتهم أشباهَ عُراة توسُّلاً إلى قطرة ماء على شاطئ قريب أو بركة سباحة عمومية في وسط المدينة تطفئ لهيب الشمس المجنونة. نقول "قطرة ماء" لأن اكتظاظ الشواطئ (فضلاً عن بــِـرَك السباحة الصغيرة) بالـ "متجرِّسين" من الحَرّ هناك يكاد يجعل متوسّط حصة الفرد من الماء في تلك الأجواء قطرة، ونقول عن الشمس مجنونةً حين تــُـري الشماليين وجهها الآخر الذي يجهلونه وهم  يتحرّقون شوقاً إلى الأيام المشمسة في غمرة صقيعهم القارس الممتدّ أغلبَ أيام السنة، أما نحن فلا حاجة ملحّة إلى التذكير بأننا نعرف جنّ الشمس "عدلة وقلبة"، وتقف حدودُ سخطنا عليه ظاهرياً عند التبرُّم مهما يكن ذلك الجن "كـَـلـَـكِـيـّاً"، وإن كان البعض يرى أن الباطن من تجلّيات سخطنا على الشمس المحرقة يستفز أكثرَ ظـنوننـا جرأةً.

خيّبت العولمة إذن حتى اللحظة آمالَ أبناء الجنوب في تحويل سماواتهم الحارّة إلى ثلاجة كبيرة، ولعلّ أبناء الجنوب يكلِّفون العولمةَ المسكينة فوق طاقتها إذا حسبوا أن طلباتٍ من ذلك القبيل تقع في نطاق قدراتها، فالعلم لا يزال المسؤول الأول والمباشر عن تحقيق حلمٍ على تلك الشاكلة، ولكن العلم في زمن العولمة قصةٌ المختلفُ فيها أن بحوث المختبرات العلمية المغلقة - التي تطلع بنتائج أقرب إلى الخيال – باتت أيسر تحقــُّــقاً على أرض الواقع وطوافاً حول تلك الأرض بما يشمل العالم قاطبةً.

وكان الخليج تحديداً مسرحاً لانقلابات غير طبيعية تتعلّق بظواهر طبيعية مما يقارب الشاكلة أعلاه، ولكن ذلك حدث أيضاً قبل العولمة بزمان، فانقلابُ الصحراء إلى جنة ليس حلماً من وجهة نظرٍ ما، لكنه عادةً مما يستغرق حقباً جيولوجية مديدة لتحقيقه، غير أن إصرار القائمين على الأمر في بعض أكثر بقاع الأرض صحراويّةً إضافة إلى المال الوفير بطبيعة الحال قد جعلا ذلك الحلم ممكناً في غضون عقدين أو ثلاثة. ولكن مجدّداً يبدو سحر العلم الأخضر ذاك متاحاً على نطاق الغرف المغلقة وفي المنتزهات وجُزر الشوارع الرئيسة وليس المساحات المفتوحة على مدّ البصر، تماماً كما كانت سيرةُ أجهزة تكييف الهواء التي برّدت كل مساحة مسقوفة في الخليج وتركت فضاءه فرناً كبيراً.

وأنت تسِير فيما كان قبل زمان وجيز صحراءَ قاحلة بامتياز تقع في كثير من مدن الخليج على مظاهر زراعية تفوق كثافة وجمالاً ما يُفترض أن يكون متاحاً بسهولة في مدن عربية مجاورة شكّلت على مدى تاريخها حضارات زراعية بامتياز. وهكذا فإن العلم قد أدّى أمانته بنجاح وإخلاص كبيرين، ثم جاء دور العولمة فبدت حتى اللحظة عاجزة عن أن تخرج بإنجازات العلم من الغرف المغلقة والمنتزهات وجزر الشوارع لتنهمر من كل سماء وتنفجر من كل أرض. فالمعجزة الخليجية الخضراء مهما بدت مُـدهشة فإنها لا تزال حبيسة البيوت البلاستيكية والآنية التي تضمّ الشتلات من كل نوع وحجم، ولا تزال تلك المعجزة تمشي على استحياء عندما يُراد لها أن تعمّ السهول والروابي كما في حقول الشمال الممتدّة على آماد البصر.

على نحو يذكِّر بلهفة الهندي سوراج الذي كان يمنــَّــي نفسه بجليد سويسرا في شهر أغسطس كانت مجموعة من المبتعَثين من شطر الأرض الجنوبي - في دورة تدريبية إلى أحد معاقل التكـنـولوجيا الألمانية – تــُـمنــِّــي أنفسها بمشاهدة سلسلة جبال الألب الشهيرة فيما يتيسّر من أوقات الفراغ التي تتخلّل الدورة. كان ذلك صعباً لسبب لم يذكره على وجه التحديد القائمون على أمر ترفيه المبتعَثين من المدرِّبين الألمان، لكن الأخيرين شرعوا في التجهيز للرحلة تحت إلحاح المتدرّبين وضغوطهم الصبيانية لاستكشاف سلسلة الجبال الأكثر شهرة على نطاق أوروبا، وفي طريق العودة من الرحلة التفت المشرف الألماني إلى ضيوفه الباديةِ على وجوههم إماراتُ الغبطة والرضا قائلاً: "ألــْـب... ألــْـب... ألــْـب، ها قد رأيتم الألب الآن".

أهَمُّ ما في قصة أولئك المتدرّبين السعداء برؤية الألب (ربما أكثر من سعادتهم بمحصّلة التدريب الذي ابتــُـعثِوا من أجله) أن كلَّ واحد منهم كان كلّما زار بعدها بلداً أوروبيّاً يمخر الألبُ سحابَه جعل يحدِّث أهلَ ذلك البلد مزهُوّاً باعتلائه قمة الألب الألمانية، وكانت ردود أهالي تلك البلاد "الألبيّة" على اختلافها تــُـجـمِـع على أن السلسلة الشهيرة لا تمرّ بألمانيا، وعندما يصرّ الواحد من أولئك المتدرّبين على أنه اعتلى  بالفعل قمةً بالغة الارتفاع هناك فإن الردّ  يأتي مفيداً بأن ارتفاع قمة الجبل وحده لا يقوم دليلاً على أن ذاك هو الألب "سيد الاسم". غير أن المشرفين الألمان أكّدوا عقب الرجوع إليهم أن ذلك هو الألب، أو على الأقل حلقة من سلسلته الشهيرة، لكن ما بدا واضحاً أن تلك الحلقة – إن كانت بالفعل تمتّ إلى الجبل الشهير بصلة - لا تعني لبقية دول الألب الشهيرة (من أمثال سويسرا وفرنسا وإيطاليا)  شيئاً.

وإذ لا يزال الجدل محتدماً بين المتدرّبين من أبناء العالم الجنوبي من جهة والمشرفين الألمان من جهة ثانية وحفنة من أبناء الدول التي لا مراء في "ألـبـيـّـتـهـا" من جهة ثالثة، فإن العولمة وعلمَها لا يزالان عاجزَين عن أن يبلّا غليلَ أبناء العالم الجنوبي فيما يخصّ معجزاتِ الطبيعة المفتوحة مما هو على شاكلة التلذُّذ بنعمة إطلاق البصر في السهول والروابي الخضراء أو اعتلاء القمم الشاهقة من سلسلة جبال ضخمة ليس بالضرورة أن يكون اسمها الألب. نقول ذلك مع أن مشروعاً لبناء منحدر صناعي للتزلج على الجليد كان قاب قوسين أو أدنى في بعض جبال الجنوب غير الشاهقة، في خطوة كان من شأنها لو تمّت أن تــُـحسب جبارةً لصالح العلم والعولمة على ذلك الصعيد الذي يبدو مستحيلاً حتى اللحظة.
TAG

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Dark mod