البندقية



عمرو منير دهب
nasdahab@gmail.com

الاستجابة لبرنامج سياحي - حول أي من بقاع العالم – أعدّته شركة سياحة كبرى، أو أخرى صغرى تحت وصاية الشركة الكبرى، من شأنه أن يجلب على الواحد بهجة فريدة مهما تخلّل البرنامج من منغصات، كالحجرات الضيقة للفنادق المضيفة أو التأخير في مواعيد إقلاع الطائرات المقلّة (ومن ثمّ التأخير في مواعيد هبوطها)، فتلك إجمالاً من المضايقات العابرة قياساً إلى لذة استكشاف مكان جديد، ولعل هذا هو الوتر الذي تعزف عليه شركات السياحة باطمئنان وهي تدعو الناس إلى استكشاف العالم والصورُ الخلّابة تزيّن مساحاتها الإعلانية لا يضيرها شيء من منغصات الرحلات العابرة للقارات، فبهجة التضاريس والطقوس الجديدة غالباً ما تستحوذ على مزاج السائح فلا تدع فيه متسعاً ذا بال للتبرّم من مساحة غرفة ضيقة، خاصة عند العودة واستقبال المقرّبين بقصص الفتوحات العظيمة امتداداً لاستشعار اللذة بتحقيق المباهاة كجزء مكمّل وأصيل (وأخير؟) لرحلة السياحة الواجب تحليل كل مليم أُنفِق عليها، ويبدو تحليل المليم الأخير بالذات مرتبطاً تماماً  بقراءة الدهشة (والغيرة؟) في عيون المستمعين ممن لم تأذن لهم ملاليمهم ذلك الصيف بالقيام برحلة مماثلة.

التحدي الأكبر مع برامج شركات السياحة  يكمن في السؤال عن أيّ من تلك البرامج سيبقى  أفضل من غيره في ذاكرة سائح مدمن على الطواف حول العالم. ذلك في الواقع، وبتحديد أدقّ، هو تحدي مدن العالم وقــُـراه في الإلحاح على ذاكرة زوّارها من السياح بعد انقشاع رعشة الزيارة الأولى بحيث يصبح تكرار الزيارة حلماً يراود السائح إلى أن تتحقق الزيارة الثانية أو تأذن ملاليم السائح المسكين المنهك مالياً من تبعات الرحلة الأولى بمواصلة الحلم الجميل لسنوات أطول.

وفي ذلك تتنافس بقاع الأرض وسماواتها بحيث تنادي كل بقعة وسماء كل سائح: "هيت لك"، ويبقى الحكم منوطاً آخر الأمر بمزاج السائح في الاستجابة لهذه البقعة أو تلك السماء، فمن سائح يؤثر الهدوء إلى آخر يحبـّـذ  الصخب، ومن مغامر يعشق القمم الشاهقة إلى مستكين لا يرى أفضل من الارتماء في أحضان السهول الوادعة، وبين أولئك يبقى السائح الأفضل حظاً هو ذلك الذي يرى بقاع الأرض وسماواتها "كالغيد كلُّ مليحة بمذاق"، والعهدة في تذوّق الغيد على الشاعر رفيع المقام أحمد شوقي.

للماء في ثقافة السياحة حضور بليغ الأثر، خاصة إذا كان الماء طاغياً في مشهد قرية أو مدينة. وطغيان الماء في مشاهد القرى والمدن قد يكون معنوياً كاشتهار المدينة بنهر يتخلّلها في وداعة كالنيل والسين والراين، أو حرفياً كشلالات نياجارا التي تبدّد سكينة المناطق الوادعة من حولها.

المشهد الأكثر خصوصية على الإطلاق للماء في حضرة مدينة هو من نصيب البندقية الإيطالية لا ريب، فطغيان الماء فيها يتمثل في الشقين المعنوي والمادي للحضور بوضوح كبير. ذلك أن المدينة الأسطورية يتعدّى تكوينها صور الجزر المألوفة بحيث تبدو أبنيتها تكوينات حجرية أصيلة تنتمي مباشرة إلى الماء الذي تخرج منه وليس إلى جزر صغيرة تتيح تخيـُّـلَها عتبةٌ على مدخل بناية أو رصيف يحيط بمجموعة من الأبنية المتراصة في جوار لصيق.

إذا كان من عادة سكان البندقية أن يخرجوا من بيوتهم بالقدم اليسرى، وهو افتراض جدلي بغرض التمثيل لا غير، فلنا أن نتخيل مشهد مغادرة رجل بندقيّ منزلَه بحيث لا تزال قدمه اليمنى داخل البيت بينما اليسرى تطأ "الجندولا"... أو تخطئه (في احتمال شبه مستحيل) فتقع في الماء.

غير أن السهو وارد وإن بنسبة واحد في المائة، لذلك أتصور سكان البندقية شديدي الانتباه إلى مقتنياتهم الصغيرة، فحافظة نقود تقع في يد طفل صغير يعبث بها ثم يرميها عبر النافذة لا سبيل إلى اللحاق بها سوى بالطيران عبر النافذة والتقاطها قبل أن تغوص في أعماق الماء، لكن هواجس كتلك لا تبدو تراود خيال أبناء وبنات المدينة الأسطورية الذين يطلّون من شبابيك أبنيتها كمن يقف على أرضية صلبة ويشرف على إطلالة أكثر صلابة.

ما الذي فعلته العولمة بالبندقية؟، إتاحة صورها على الإنترنت ليست بالتهديد الخطير لسحر المدينة الآسر، وإن كان ذلك السحر أبلغ أثراً بالألباب وأمضى سرياناً في القلوب بإطلاق الخيال عند الإنصات إلى أفاعيله من لهاة مطرب كمحمد عبد الوهاب على لسان شاعر كعلي محمود طه، وكلاهما من مصر. كذلك فإن إتاحة زيارة المدينة الأسطورية بتوفير عروض سياحية مغرية اقتصادياً (وهذا من بركات العولمة مهما قيل عن الأزمة الاقتصادية التي حدثت بفعلها) من شأنه أن يزيد أفواج السائحين المتوافدين صباح مساء من كل أصقاع العالم المترامية، لكنه على الأرجح لا يبدّد رعشة رؤية الأسطورة وجهاً لوجه أو ينال من حظ الاحتفاظ بها متأججة في أخيلة من لم يروها بعدُ حتى مع تواتر الحكايات المصورة مع العائدين.

غير أن العولمة أنكى وأشد مكراً من أن تدع كائناً يهنأ بفرادته، والمدن ليست استثناءً في هذا حتى إذا كانت المدينة في سحر البندقية. وهكذا فإن انتشار "بندقيات" حديثة مصغرة في قلوب عواصم العالم الكبرى لا يمكن أن يصنــَّـف سوى على أنه صرعة عولمية صرفة، لكن ليس من شأن ذلك على أية حال أن يقلق إيطالياً كــجان لوكا - أحد أبناء البندقية البررة - وهو يرشد ضيوفه السياح إلى مواطن الخصوصية مما استــُـودِع  جنبات المدينة العائمة التي بناها أهلها قبل قرون لتكون نمطاً لحياة فريدة تحكي قصة دراما واقعية للفرار من الطغاة لا رواية عولمية مترفة بهدف الترويج للسياحة هنا وهناك.
TAG

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Dark mod