الكاميرا ليست خفية



من كتاب: غرفة نومك في العولمة

عمرو منير دهب
nasdahab@gmail.com

ما علاقة مهرجان المسلسلات والفوازير والكاميرات الخفية برمضان؟ سؤال قديم لا إجابة مقنعة عليه سوى ما قد يذهب إلى ترجيح نظرية المؤامرة بعمل القائمين على الإعلام في البلاد المعنية على إفراغ الشهر الأغرّ من مضمونه الروحي، وحظ أولئك المسؤولين إذا تجاوزنا قاموس السياسة الحديث إلى معجم أصول الفقه والحديث هو تحمُّل  وِزر مَن سن سُنة سيئة، أو وِزر من اكتفى باتــّـباعها في أحسن الأحوال.  كل ما سبق لا يعنى هذا السياق في شيء سوى كونه مناوشة شاردة على سبيل التقديم.

الأرجح أن العرب انتظروا طويلاً كالعادة قبل أن يعرّبوا فكرة الكاميرا الخفية أوائل ثمانينيّات القرن الماضي، ولم يكن التعريب يعني سوى استبعاد المقالب "المُــخلّة" أخلاقيّاً بحصر مفهوم الأخلاق في الاحتشام الجنسي ظاهريّاً، أما سُخف المقالب وثقل دمها على الضحايا - مقابل جاذبيتها للمشاهدين في كثير من الأحيان - فقد قطع فيه العرب شوطاً لا يُضاهى، والحق أن ابتداع العرب فيما يخصّ ذلك الصنف من المقالب ظل مضماراً لم يقصِّر فيه القوم بفرس رهان حتى بلغوا الغاية في السخافة.

من خير الكاميرا الخفية أنها فضحت سلوكنا فيما نمارسه ولا نجرؤ على إذاعته. الكاميرا ليست خفية إذن إذا تعلّق الأمر بممارسة سلوك ما، إنها لا تــُـنبئ عن سلوك غير موجود بل تكشف سلوكاً مستتراً لا نقوى على إذاعته، الكاميرا ليست سوى أعيُننا التي ترى ولا تستغرب فعلاً أو ردة فعل إلا وهما يُعـلـَـنان على الملأ. الكاميرا، والحال كتلك، ليست خفية إلا بقدر ما تبدو أعينـُـنا ذاتها خفية ومتلصّصة.

كاميرا "الخواجات" المحمولة - كما يصفونها - لا يطغى فيها الصراخ والضجيج والضرب والوعيد على شاكلة: "أنت لا تعرف من أنا"... "أستطيع أن أغلق لكم هذا المحل في ظرف دقائق"، فأيّ واحد هناك يستطيع إغلاق أي محلّ بالقانون إذا ارتكب المحلّ ما يدعو إلى إغلاقه  دون أن يكون المجني عليه شخصية مهمة، وعليه فلا معنى عندهم للوعيد: "أنت لا تعرف من أكون".

الأهم في هذا السياق أنه لا مجال للصياح والانزعاج في بلاد الفرنجة مع كاميرا خفية أو ظاهرة، فالحقوق عندهم تؤخذ عن طريق القانون لا غلاباً بالصوت الأعلى واليد الطولى.

والأكثر أهمية هو مجال المزاح الذي يكشف أن ما يدعو إلى الانزعاج لحدّ التهديد بالصوت العالي وما وراءه ليس في قاموس "الخواجات" بحال في تداولهم اليومي للحياة، فهم قد تجاوزوا تلك البدائية في يوميّاتهم إلى حدّ أن مجرّد التذكير بها على سبيل الدعابة لم يعد وارداً.   

المحصلة أن كاميرا "الخواجات" الخفية هي على العموم مزحة خفيفة مقابل حالة مزمنة من ثقل الظل لدى كاميرات العرب، والسبب ليس طرافة أفكارهم وبساطتها إزاء دم أفكارنا الثقيل، بل قصة الوجهين (وربما الوجه والقناع) اللذين نقابل بهما ما دق وما جلّ من يومياتنا في الحياة.

يجب أن أقرّ بأن مشاهدة كاميرا خفية عربية جيّدة الصنع مسألة من شأنها أن تبعث في روحي قدراً لا يمكن إنكاره من التسلية والنشوة رغم إشفاقي غير المحدود على الضحايا وإيماني القاطع بوجوب الكف عن ذلك الابتذال لدواعٍ أخلاقية، بالمعني الكبير للأخلاق. ألا يشبه هذا الصنيع ذمّنا الإباحية الإعلامية في رمضان من على كل منبر متاح ثم التفافنا حول التلفزيون قبل الإفطار وبعده لمشاهدة ما سنذمّه لاحقاً كلما استدعى المقام الصعود إلى منبر ديني أو أخلاقي؟ ألا تبدو كبرى مصائبنا أننا نشطر حياتنا إلى نصفين: نصف مثالي ندعو إليه ولا نقوى على ممارسته، وآخر نمارسه ولا نملك جسارة الاعتراف بسطوته وجاذبيته؟

 لقد فشلنا في تعديل سلوكنا ليتفق وما ندعو إليه (ليس ما نؤمن به بالضرورة)، أليس وارداً أن تكون الخطوة التالية هي تعديل ما ندعو إليه ليوائم سلوكنا؟
TAG

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Dark mod