سادتي سيداتي





عمرو منير دهب

nasdahab@gmail.com

ما نقوم به الآن من طواف حول العالم لا يدخل في نطاق المغامرات ولو كان مشياً على الأقدام. الأهم من وسيلة الطواف في استكشاف العالم ومَن يسكن بقاعه المترامية هو مدّةُ الإقامة، وأهم من المدة طبيعةُ الإقامة لا شك.

الروّاد الأوائل في الاستكشاف كانوا روّاداً في المغامرة تحديداً، فالواحد منهم كانت تستهلكه قسوة الرحلة وفظاعة أهوالها المخـبّأة فلا تدع له براحاً للتأمل في المعرفة عندما يحطّ رحاله في وجهته الأخيرة، أو أية وجهة عابرة على الطريق، إلا بالإذعان لثقافة المستكشـَـفين أو فرض ثقافته عليهم بحسب قوة كلٍّ منهما قياساً إلى الآخر. هل تغيّر الأمر الآن؟، الأغلب أن المحصلة هي نفسها ولكن فسحة التأمل أطول بما يجعل القوى في كثير من الأحيان متأرجحة أكثر من كونها ثابتة منذ الوهلة الأولى لصالح طرف دون آخر.

ليس من مغامرات إذن في الطواف حول عالم اليوم سوى تلك المحاولات المصطنعة التي تقرّر في إحداها مثلاً مجموعة من الشباب أن تذهب على متن قارب شراعي في رحلة حول ما تيسّر من العالم وقاربُهم ذاك مزوّد بأحدث أجهزة الملاحة والاتصال الحديثة، تلك لا ريب مغامرة قياساً بذات الرحلة على متن طائرة، ولكن ألا يشبه ذلك في النهاية مجموعة من سكان مدينة من أصول بدوية أخذهم الحنين إلى الماضي فنصبوا خيامهم على بعد بضعة كيلومترات من منازلهم الفخمة ذات الطراز الحديث التي غادروها إلى تلك البداوة المصطنعة على صهوة سياراتهم الفاخرة المحمّلة بكل أسباب الراحة من هبات العصر الحديث؟

بعيداً عن المغامرات وأمجاد المستكشفين الأوائل، والأمجاد المشتهاة لمن تأخرّ بهم الزمان فلم يدع لهم من المغامرة والاستكشاف حظاً سوى الاصطناع، بعيداً عن ذلك (أو قريباً منه) لا يبدو الترتيب لرحلة إلى الطرف الآخر من العالم مكلّفاً (من حيث المغامرة المعرفية) أكثر من سؤال أحد المقربين ممن ذهب إلى هناك (وما أكثرهم بقدر ما أصبحت الريادة في ذلك المجال شبه مستحيلة) عن الواجب حمله من المعرفة في تلك الرحلة، فإذا تعذر وجود ذلك المقرّب فما أكثر وسائل التلقين المتاحة، وأشهرُها المدعوّة الشبكة العنكبوتية.

باول نايت وأمثالُه من الإنقليز هم الأكثرُ حظاً فيما يخصّ الواجب حمله من عتاد المعرفة في رحلات هذا الزمان الاستكشافية، ولا مجال للمقارنة بين قوم مستر نايت وبينا، لا في عتاد المعرفة الواجب حمله في الأسفار ولا المتاع الذي تنوء بحمله ظهور طائرات البوينق وكواهل الإيرباص سواء في مواسم الهجرة إلى الشمال أو الأوبة من الجنوب، والعكس.

باول ورفاقه محظوظون لأن العالم يتحدّث الإنقليزية، وعليه فلم يكن قـدَرهم أن يتعلّموا لغة تختارهم ولا يختارونها، لكن اللافت أن أمثال مستر نايت (وهو محاضر في علوم الإدارة المالية) لا يكتفون بعتاد اللغة فحسب وهم يهمّون بالسفر، فالأكثر أهمية لديهم المحاضرات الاستهلالية التي تعقد لأمثالهم لإرشادهم إلى أقصر الطرق إلى استيعاب  ثقافة ووجدان أولئك الذين ابتعثوا لتدريبهم أو العمل معهم، فإذا تعذر عقد تلك المحاضرات فإن مُبتعثاً أجنبياً على شاكلة باول لن يفكّر في مغادرة مسقط رأسه قبل أن يقرأ كتاباً إرشادياً عن مساقط رؤوس أولئك الذين ابتعث إليهم ويحفظه عن ظهر قلب.

بدا باول تلميذاً نجيباً وهو يستهل محاضرته عن "الإدارة المالية لغير المتخصصين" بتسميع ما تلقــّـنه عن ذلك الكتاب الذي قرأه عن ثقافة العرب وعاداتهم، مرة محذراً ومرة محتفياً وفي أغلب الأوقات مبدياً تحفظه في التعليق على هذه العادة وتلك، لكنه على الدوام كان يؤكد احترامه لكل العادات والتقاليد العربية باستثناء ما قد يؤثر على جدول التدريب كعدم احترام المواعيد.

في نهاية الدورة أبدى باول إعجابه الشديد بالتزام المتدربين العرب بالمواعيد على غير ما يقول "الكتاب" (هكذا قال حرفياً)، وأكد مندهشاً أن مواعيد سير الدورة ابتداءً وانتهاءً وما تخللها من استراحات قصيرة كانت في دقة دورة تــُــعـقـد في المملكة المتحدة (لم يكن الرجل يعلم أن الحضور الموقر تلقى وعيداً جادّاً من قبل المؤسسة التي ابتعثته بخصم قيمة الدورة من راتبه في حال الغياب أو التأخير).

عندما همّ باول بإلقاء كلمتين للوداع في آخر الدورة طلب من الحضور ذكوراً وإناثاً الإنصات جيداً ثم توجّه إليهم بالخطاب وعيناه تلمعان سعادة بنجابة الاستذكار: "سادتي سيداتي...". لم يكن الرجل بحاجة إلى أن يؤكد للحضور أن الكتاب الذي قرأه قال له إن العرب يقدّمون المذكّر على المؤنث، لكنّ نفراً من الحضور أومأ إليه بأن العرب كثيراً ما يجرون على عادات غيرهم وعليه فلا حرج من أن يقول "سيداتي سادتي" فهي متداولة عند العرب بذات الترتيب. عندها لم يكن في وسع باول سوى أن يصيح: "آه... لا بدّ أن الكتاب الذي قرأته كان قديماً!".
TAG

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Dark mod