كيف تــُـصنع العولمة؟


من كتاب: غرفة نومك في العولمة

عمرو منير دهب
nasdahab@gmail.com

"هل يمكن لمجتمع ذي جذور شعبوية عميقة أن يتغير بسرعة؟، يمكن للأفراد أن يتغيروا، وقد تغيروا بالفعل. ولكن هل يمكن فرض بنية سوق الاقتصاد المتقدم - أي قوانينها وممارساتها وثقافتها - على مجتمع تربّى على العداوات القديمة؟. تشير "بلانوا ريال" إلى إمكانية حدوث ذلك".

السطور السابقة من الترجمة العربية لكتاب أصدره آلان قرينسبان رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي السابق بعد أن تقاعد، يحكي فيه خلاصة ستة عقود من التجربة الاقتصادية بأسلوب لا يخلو من المتعة، والفقرة المقتبسة من فصل بعنوان "أمريكا اللاتينية والشعبوية"، وفي حين أن تعريف "الشعبوية" كما أورده قرينسبان عن القاموس هو "الفلسفة السياسية التي تدعم حقوق الشعب ونفوذه..." فإن قرينسبان نفسه يرى أن الشعبوية الاقتصادية هي "ردّ من الشعب الذي جرى إفقاره على المجتمع المقصّر، وهو ذلك المجتمع الذي يتميّز بوجود  نخبة اقتصادية يُنظر إلى أفرادها على أنهم قامعون". أما "بلانو ريال" فهي - كما يختصرها قرينسبان -   (الخطة الواقعية) التي وضعها القادة البرازيليون فأوقفت تضخم بلادهم الشديد بعد بلوغه نسب مئوية خيالية (5000 بالمائة) خلال سنة واحدة في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي.

ليس المهم فيما سبق أن رجلاً في مقام آلان قرينسبان يؤكد إمكانية انقلاب ثقافة اقتصادية متأصلة في شعب ما إلى النقيض خلال زمن وجيز نسبياً، فالمفارقات المذهلة في ذات السياق عن الصين في كتاب قرينسبان وغيره تفوق مفارقة "بلانو ريال" البرازيلية بما لا يدع مجالاً للمقارنة. المهم أن قرينسبان ومن في حُكمه قدْراً – بعيداً عن المعادلات الاقتصادية والرسوم البيانية ذات الصلة – يُبدون اندهاشهم بوضوح كلما زاروا بلاداً بعينها من الطريقة التي تتغلغل خلالها العولمة في شرايين أنظمة ومجتمعات كانت ألدّ ما تكون عداوة لأساليب الأسواق التي فرضتها العولمة، دع عنك اعتناق تلك الأنظمة والمجتمعات لمُفرَزات العولمة ثقافيّاً واجتماعيّاً مما هو أبعث على الدهشة وأكثر تعقيداً عند التحليل.

في بواكير تسعينيات القرن المنصرم كان كثير من المثقفين، حتى ذوي الخبرة الواسعة منهم في المنظمات الدولية ذات الوصاية الأمريكية، ينظرون بتهكّم شديد إلى جموع الشباب المتدافعة لملء استمارات "اللوتري" الأمريكي التي تتيح فرصة الحصول على الجنسية الأمريكية لكل من هبّ ودبّ بدون أية شروط مسبـقة، وعندما تبيّن لاحقاً أن الادّعاءات الأمريكية بخصوص "اللوتري" صحيحة تدافعت النخب المثقفة ذاتها إلى تحليل فكرة "اللوتري"، وربما التهليل لها.

كانت العولمة - وكل خطوة تضمنتها - كالحادث (الذي يشبه الفيلم الناجح عند بعض النقاد العرب) لا يمكن التنبؤ به بصورة قاطعة ولكن يمكن تحليله بعد وقوعه، ولكن الفريد في قصة العولمة أنها بدت كذلك حتى مع الذين يظهرون في مشهدها كما لو أنهم مهندسوها.

ما يبدو مؤكداً في الحكاية أن المركز الرئيس لمصنع العولمة يقع في الولايات المتحدة الأمريكية، وأنه ما كان لذلك المصنع أن ينشر فروعه حول العالم كما نرى اليوم لولا تفرّد أمريكا بقيادة عالم أحادي القطبية في أعقاب السقوط الشهير لجدار برلين والانهيار الذي لا يقلّ شهرة للاتحاد السوفيتي، ثم الاحتواء الماكر للصين في شراكة اقتصادية استراتيجية لا تُعنى بالتبادل التجاري بين البلدين فحسب وإنما بتنظيم عالمي للتجارة تقوده أمريكا تنظيراً ولا تعكّر صفوه الصين ممارسةً.

اقتصاديّاً تبدو العولمة الآن كالأسرة الكبيرة التي تحتفظ بولاء الانتماء إلى الجد الأكبر، في حين أن ذلك الجد نفسه لا يسعه سوى التعبير عن سعادته بتنامي الأسرة وتكاثر فروعها بعد أن رسم لها خطوطها العريضة (ولا يزال يملك التأثير على تلك الخطوط) حتى إذا لم يكن بوسعه التنبؤ بكل موهبة وإنجاز تتفتق عنهما قرائح الصغار المتناثرين على شتى فروع شجرة العائلة.

سياسياً حيث مصنع العولمة بمعنى يكاد يكون حرفياً، ولأن المشكلة لم تكن في ابتداع مفهوم العولمة قدر ما هي في المحافظة على توهّجه وتناميه، فإن الحال تبدو كما لو أن مهندسي التصميم من الساسة المتنفذين ومن حولهم من كبار المستشارين في حالة تأهُّب دائم للتصدّي لسحر العولمة الذي يحمل استعداده الذاتي للانقلاب في كل لحظة على الساحر، وليس في ذلك  التصدّي صعوبة كبيرة ما دامت أعداد السحرة وسيناريوهات تدخلهم بالتصحيح تكاد لا تحدّها قيود في دهاليز السياسة الخفية.

القدر الأبعث على الاطمئنان في سيرة العولمة لصُنــّـاعها هو ما يتعلّق بها ثقافياً واجتماعياً. والمختلف في هذا الصدد، بالرجوع إلى قصة الأسرة الكبيرة، أن مواهب صغار العائلة وإنجازاتهم (فيما يتعلّق بثقافيات العولمة واجتماعياتها) أقل تحرّراً وأكثر اتصالاً (مما هو اقتصادي على سبيل المثال) بخطط كبير العائلة، حتى إن تلك المواهب لا تبدو مبشرة على المدى القريب بقدر ملحوظ من أصالة الإبداع يدور خارج الفلك الذي رسمه كبير العائلة المدعو العمّ سام.
TAG

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Dark mod