كيف يُصنع العالَم؟


عمرو منير دهب
nasdahab@gmail.com

لم نكن بحاجة إلى أن نعاصر سقوط جدار برلين أواخر الثمانينيات وتفكُّك الاتحاد السوفيتي مع بدايات العقد التالي كي ندرك جانباً من الإجابة المطوّلة على السؤال أعلاه. نقول هذا ونحن نتجاوز عمّن عاصر المُستعمِر ورأى كيف أنه وهو يرحل مرغماً يسلّم مفاتيح البلاد إلى أهلها بيد ويرسم باليد الأخرى حدود البلاد الماكرة مع جيرانها الذين رزح أغلبهم تحت ذات الوطأة. أما من عاصر أيّا من الحربين العالميتين وكان في معمعة أيٍّ منهما وأسعده الحظ بأن يخرج سالماً - وحظينا بأن يكون من قرّاء هذا الكلام - فالأغلب أنه يعرف إجابة السؤال على خلفية واقعية تتجاوز أي تخمين محتمل في السطور المقبلة.

الحكمة الأعمق في الإجابة تفيد بأنه ليس ثمة شيء مطلق فيما يتعلق بصناعة العالم أو الأوطان، فالقلم الذي يرسم خريطة العالم تحرّكه في معظم الأحوال الحروب، والأخيرة تحرّكها النفس الإنسانية الأمّارة بالسوء، وذروة السوء في الدراما - كما في التاريخ - هي الحروب المدمّرة، و"المدمّرة " صفة ضرورية لما يُعاد تشكيل العالم على أساسه  من حروب.

ليس ما يعنينا في هذا السياق النوايا - سيئة أو حسنة - قدرَ ما هو مهمّ التأكيد على أن المطلق لا يمكن أن يكون معلّقاً بيد متغيّر، إلا إذا كان المقصود بالمطلق هو التغيير نفسه، وفي ذلك تفصيل فلسفي ليس هذا سياقه بحال.

ولأن الإجابة على السؤال عنوان الحديث ليس بوسعها أن تقاوم الفلسفة طوال الوقت فإننا نستميح القارئ عذراً في العودة على عجل إلى فكرتي "المطلق" و"المتغير" المذكورتين منذ برهة، لنؤكّد أن القدْر المطلق – إذا أمكن التعبير – في فكرة التغيير المتعلّقة بصناعة الأوطان (ومن ثم العالم) يكمن في القوّة. فالقوة بسائر أبعادها هي التي تمسك بالقلم - الأوضح خطاً والأثبت حبراً - الذي ما فتئ يرسم الأوطان ويعيد صياغة حدود اليابسة والماء والهواء سياسياً وهو يرى ضرورة التدخل فيما صاغته الجغرافيا بقدر أوفر حظاً من العدالة، والأخيرة تفسيرها لدى الأقوى بسيط، فهي كل ما يخدم مصالحة الخاصة، أو ما لا يتعارض مع أبسط تلك المصالح على أقل تقدير.

وإذا كانت صناعة العالم من شأن الدول العظمى، ولسنا مؤكّداً كذلك في هذه اللحظات من عمر الوجود، فإن ما يعنينا الآن هو صناعة الوطن الذي تَشكّل خلال تاريخه المديد على قوالب عديدة.

ليس من مشكلة في أن تتغير خريطة أي وطن بالزيادة أو النقصان، الكارثة أن تتشكّل الخريطة وليس في ذهن من يضعها تصوّر للطريقة التي ستتفاعل بها لاحقاً ما تضمّه من عناصر اصطُلِح على تسميتها بالوطن.

اللحظات التي تشهد ميلاد خرائط جديدة للأوطان تستحق لقب "لحظات خالدة" (المستهلَك في وصف أحداث الأمم المجبولة على المبالغة) إذا كانت الخرائط الوليدة جديرة بالفعل لأن تعيش أمداً طويلاً من عمر الوجود. والأمم المحظية هي تلك التي رسم أسلافُها أوطانهم وفي اعتبارهم أن الوقت المستقطع لإعداد القوة اللازمة لحماية خريطة الوطن المقترَح يجب ألّا يتعدّى بحال الوقت اللازم للتخطيط والعمل من أجل بناء الوطن ذاته.

إذا كانت الحروب هي مصنع الخرائط السياسية الأول للعالم، وقد أزاح الوجود في هذه اللحظات من عمره عن كاهلنا عبء المشاركة في صناعة العالم كما رأينا، فلا أجمل من أن نصنع بتفكير بليغ ورأي شجاع وطناً يصمد بتجانسه أمام الحروب فيشغلنا ببنائه ورفعته أكثر مما يُهمّنا بالذود عن حدوده.
TAG

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Dark mod