الفلبين أيضاً





عمرو منير دهب
nasdahab@gmail.com

في مطعم الدجاج المقلي أمريكي العلامة بمدينة العين الإماراتية، والذي تقوم على إدارته خبرات مصرية برأس مال لا يُستغرب أن تكون للخليج فيه يد طولى، تقف فتاة فلبينية طفولية الحجم وهي تطالع شاشة الكمبيوتر بتركيز عالٍ لتراجع طلبات الزبائن قبل أن تقوم بتجميعها في العلب المخصصة بسرعة هائلة.

أستبعد أن تتفوّق فتاة أمريكية في أيٍّ من الولايات المتحدة على فلبينية العين في دقة التقاط الطلبات من على الشاشة وسرعة تجميعها، هذا إذا كان ثمة من الأمريكيات الأصليات (بتجاوز الهنديات الحمراوات) الكثير ممن لا يزلن يعملن في مثل هذه المهنة.

نُنحي باللائمة على ثقافة الهمبورقر الغذائية ولم تضرب أمريكا أحداً على يده كي يتهافت على الشطائر الطازجة وما في حكمها من الوجبات الأمريكية (أو المُأمرَكة) السريعة، لكن هذا على أية حال ليس ما يعنينا الآن، فالأكثر إثارة هو قدرة أمريكا على تصدير السلعة – أيّاً كانت - ومفهوم ترويجها معاً بحيث يصبح انشغال الآخر (الذي هو بقية العالم) باستيعاب واتقان طريقة الترويج (وهي ما سيغدو شيئاً فشيئاً نمطاً جديداً للعيش) سبيلاً إلى افتتان بالمصدر لا يقل أهمية عن انشغال ذلك الآخر وافتتانه بالتهام السلعة ذاتها.

من هذا تكتسب صورة الفلبين فرادتها في مشهد العولمة، وأهم ما يميّز الفلبين في ذلك، ولنأخذ الطعام مثالاً، أن لها ثقافتها الخاصة جداً لكنها مع هذا لا ترى بأساً بأن تستوعب طعاماً آخر برحابة ذائقة كبيرة ما دام ذلك الطعام يحمل نكهة الدولة العظمى في عالم هذه الأيام.

وما وراء الطعام هو الأخطر في مثال الفلبين، فالبلد الذي خضع في تاريخه القريب لوصاية استعمارية إسبانية ثم أمريكية دفع أبناءه وبناته العاملين في الخارج إلى تقبُّل الآخر بصدر رحب، وعندما يكون ذلك الآخر هو الغرب فإن رحابة الصدر تلك تتمدّد إلى آفاق مدهشة، أمّا عندما يكون الآخر هو أمريكا شخصياً فإن مغتربي الفلبين ومغترباته يكادون يمنحونه "شيكاً على بياض" لاختراقهم حضارياً مع حسن ظنهم في أن ذلك المخترق الحضاري سيمنحهم لا ريب مساحة كافية لممارسة بعض الخصوصيات الثقافية كلما دعا الحنين.

 في الداخل - داخل الفلبين - لا بد أن الصورة مختلفة شيئاً ما، لكن ذلك البلد الودود لا يبدو بحال شديد الحرص على تصدير أي قدر من ثقافته الخاصة إلى الخارج أو حتى مستميتاً في مقاومة رياح العولمة على نحو ما هو مشهود عند جيرانه في المحيط الآسيوي الأدنى، ولعل الخلفية الدينية القريبة إلى الغرب عموماً هي ما يجعل أولئك القوم وديعين في مواجهة كل ما هو غربي، بما في ذلك العولمة جملةً وتفصيلاً.

وإذا كان لا يبدو أن لدى أبناء وبنات الفلبين في الخارج طموحاً ذا بال في شدّ انتباه الغرب أكثر من أن يُـثبتوا له أنهم تلاميذ نجباء، فإن ذلك لا يمنع مانيلا من أن تخرج مهلّلة لإقصاء ملاكمها البطلَ الأمريكي الشمالي من المكسيك عن عرش بطولة العالم مهما يكن وزنها. تلك على ما يبدو جرعة تتجاوز حاجة الأنا الفلبيني القنوع للسكون حيناً من الدهر وقد حقق انتصاراً ذا بال على شيء من رائحة أمريكا "ست الاسم".
TAG

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Dark mod