ما وراء البحار

عمرو منير دهب
nasdahab@gmail.com

لم يكن الهندي راجيموهان مقتنعاً بجدوى المهمة التي ابتــُعِث من أجلها إلى سويسرا من بَـنقالور الهندية لاكتساب خبرة ما وراء البحار في مجال دقيق كأنظمة التحكم والمراقبة الخاصة بمحطات توليد ونقل وتوزيع الطاقة الكهربائية، ولم يكن راجيموهان يشكك في قدرة سويسرا على إمداده بخبرة كتلك عندما عاد وتجاذب أطراف الحديث التِقني مع زملائه في الفرع الهندي للمصنع الأوربي، فكل ما جاهد المهندس الهندي في كتم حَنقه منه طوال ثلاث سنوات - هي مدة ابتعاثه إلى سويسرا - ينحصر في أن رئيس مجموعة العمل التي التحق بها في المصنع السويسري والمكوّنة من خمسة  مهندسين كان هندياً، أما المهندسون الثلاثة الآخرون في المجموعة فلم يكونوا سوى زملاء سابقين له في فرع المصنع بـبَـنقالور. "أية خبرة لما وراء البحار إذن تلك التي تسألونني عنها؟"، هكذا أطلق راجيموهان استياءه الأخير ساخراً قبل أن ينصرف ليواصل عمله من جديد "أمام البحار".
و كان الإنقليزي ماكسويل يحكي كيف أن زملاءه "السناير" في شركة الاستشارات الهندسية العريقة بلندن يستغربون عندما يجدونه قد تجاوز الثلاثين ولا يتحرّق شوقاً إلى اقتناص فرصة للعمل وراء البحار لاكتساب خبرة فريدة تتوّج سيرته الذاتية فنيّاً. "لذلك السبب وحده قدِمت إلى فرع الشركة بالإمارات ولا أعلم كم من الوقت يلزمني لتحقيق هذه المهمة"، هكذا كان يلخص ماكسويل سبب اغترابه قبل عشرة سنوات، والأرجح أنه سيبقى حيث هو لعشرة سنوات لاحقة على الأقل إذا مدّ الله في عمره وعمر شركته العريقة، فقد تبيّن "للإنقلش مان" أن خبرة ما وراء البحار تجرّ إلى ما وراءها من أسباب الاغتراب في الحياة.
بعيداً عن راجيموهان الهندي وماكسويل الإنقليزي (والمعذرة على الترتيب إذا تضمّن أي تجاوز للإيتيكيت) فإن مصطلح "ما وراء البحار" لم يعد اليوم في عالم العولمة يثير قدراً من الدهشة أو الإعجاب كذلك الذي أثاره مثلاً قبل أكثر من خمسة عشر عاماً عندما وجّه مُـقدّمُ حفل التخريج - لدفعة من الطلاب السودانيين بجامعة المنصورة – التحيّة لفنان الحفل القادم من السودان في زيارة عابرة لمصر يغادر بعدها لمواصلة دراساته بأكاديمية "ما وراء البحار" بأستراليا.
لم يعد المصطلح يثير ذلك القدر من الدهشة، فـ"ما وراء بحارهم" أصبح أمام أعيننا و "ما وراء بحارنا" أصبح أمام أعينهم. نتحدّث عنهم وعنــّا، غرباً وشرقاً وجنوباً وشمالاً وما بينها من جهات.
يحدث ذلك مرّة لأن التقنيات الحديثة تتنافس في جعل ما كان بعيداً أكثر قرباً صوتاً وصورة، ومرّة لأن وصول الإنسان إلى أية بقعة معمورة في الكون (ونتجاوز عن الإقامة الطويلة في تلك البقعة) لم يعد مغامرة تحيط صاحبها بهالات الإعجاب كما كان من قبل ويكاد كل بيت في العالم لا يخلو من مُغامِر ذي صلة على ذلك النحو.
بإزاء ما سبق تبدو المغامرة المرشحة في عالم ما بعد العولمة قصة تحوم حول مصطلح "ما فوق السماوات". نكتب هذا بانتظار أوّل قريب أو صديق يُـتحفنا بمغامراته في أعقاب جولة خارج الغلاف الجوي أو هبوط موفق على سطح القمر.


*من كتاب: غرفة نومك في العولمة*
TAG

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Dark mod