لواذاً بالمول من ثقافاتنا الملتهبة


لواذاً بالمول من ثقافاتنا الملتهبة
عمرو منير دهب
nasdahab@gmail.com

قلت لزوجتي، وأنا أتقمّص شخصية سائح مهووس، بينما كنا ننتظر دورنا لطلب شطائر الهمبورقر من المطعم الأمريكي الأكثر شهرة في العالم: "لِمَ لا نجرّب طعام هذا البلد الخاص... أليست السياحة تـُعنى بأشياء من ذلك القبيل؟"، وكانت زوجتي أكثر فطنة عندما نبّهتني إلى أن أبناء البلد الآسيوي أنفسهم يصطفون خلفنا وأمامنا ويملؤون الطوابير في انتظار الوجبات السريعة غربيّة النهكة في ردهة المطاعم الواسعة تاركين مذاق البلد الخاص لأمثالي من السياح... ولكن الأكثر جرأة.

كان ذلك ونحن نتجوّل في أحد مولات ماليزيا الشهيرة، والمولات - حيث كانت – ثقافة لم يعد ممكناً تحاشيها في الأسفار، خاصة لدى ذوي الألسنة والبطون الحساسة الذين لا تروقهم في السياحة تجارب الطعام الجديدة، لاسيما إذا كان المطبخ صينيّاً أو مما يقع في حُكمه.

غير أن ثقافة المول أعمق من أن تستوعب فقط لساناً وبطناً حساسين، فإذا كانت فكرة المول تروق الغربيين لأنها تقيهم لسعات البرد القارس وسياط الثلوج المنهمرة فإنها تلاقي رواجاها عند الشرقيين للسبب ذاته... ولكن في الاتجاه المعاكس لدرجات الحرارة وتوابعها.

والحال كتلك، ما هي علاقة المولات بممارسات التسوّق غير الشرقية وغير الشرعية كالملابس غير المحتشمة وتبادل القبلات (محتشمة وغيرها)؟ لا شك أن مُولاتنا لن تأبى الاحتشام إذا أصررنا على ذلك، ولكن أهم ما في الفكرة لم يكن منحصراً على ما يبدو في المباني الضخمة قدرَ ما كان فيما يتكدّس داخلها من المعاني التي تتلبّس المتسوقين المحافظين خلسة.

ولعلها فكرة الاختراق الثقافي ببساطة، أن تقدّم الوعاء الذي هو في ذاته تحفة مدهشة على أساس أنه قابل لأن تملأه كيفما شئت بثقافتك الخاصة، ثم تقدّم نموذجاً اختيارياً يبيّن كيف أن الوعاء أليَق لأن تملأه الثقافة المغايرة التي هو من صنعها، فإذا كان بوسع الآخر أن يقاوم النموذج الاختياري لبعض الوقت فلن يكون يسيراً عليه أن يفعل ذلك على الدوام، خاصة إذا لم يكن في النموذج المقترح كفراً بواحاً ولا ردّة عن تراث الأجداد، بل ما يمكن أن يُؤخذ على أنه مجرد صرعة جديدة تواكب عصراً جديداً.

ثم لا تلبث الأرفف المتراصة في أناقة ووسائل العرض الخلابة أن تستوعب شيئاً فشيئاً ما يمكن أن يؤخذ بجدّ على أنه ردّة صريحة عن تراث الأقدمين، ولكن عند ذلك الحدّ يكون الشكل الفاتن لعملية التسوق بأسرها قد تغلغل إلى أعماق المتسوّقين المحافظين (دع عنك غيرهم) حتى بات من السخف لديهم أن يحدّثهم متحذلق عن مضامين وراء التسوّق أبعد من "خذ وهات".   

حِكْمَت، الكندي من أصول تركية، لم تكن تعجبه إجابات تلاميذه الراشدين الطامحين إلى الحديث بإنقليزية أنيقة في معهد "العين" الذي يدرّس فيه الرجل القادم من كندا - حيث نشأ - فراراً بنفسه وذويه إلى ثقافة إسلامية. كان حكمت يسأل تلاميذه: "أين تقضون أمسياتكم؟"، وكانت الإجابة واحدة تقريباً: "العين مول، أو ما شابه". وعندما يلحّ حكمت في استجداء تلاميذه الأصالة: "تقصدون محلات مثل دِهْن العُود"، تأتي الإجابة محبطة كما يخشي، ما يُذكِّر بقصة مُغنٍّ شاب درج على أن يُتحف مستمعيه بروائع التراث، واتفق أن زار المغني صديقاً له مرّة فجعل يقلّب في مكتبة صديقه الموسيقية ثم صاح متذمّراً: "دا شنو ياخي... ما عندك أغاني غربيّة؟"، ودُهش الصديق: "قايلك بتفتش للكاشف ولّلا حسن عطية"، فردّ المغني الشاب: "ديل سمعنا ليهم لحدّ ما روحنا اتسلّت" (أي: لحّد ما روحنا طلعت، والكاشف وحسن عطية مطربان سودانيان راحلان).

إذا كانت فكرة المول ليست إلا تطويراً غربياً لفكرة المراكز التجارية المبسّطة التي كانت سائدة من قبل، فإن مشكلتنا كما يبدو أننا استهلكنا أسواقنا الشعبية "لحدّ ما روحنا اتسلّت" ولم تــَـجُدْ قرائحُنا بالبدائل المحلية الأكثر فخامة.
TAG

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Dark mod