الأحد، 27 ديسمبر 2020

مجتمع نمطي



وائل البابلي
لو نظرت لما هو حولك من المجتمع لتأكدت أنه قد تطبع بالنمطية جدا حتى أصبح مجتمع نمطي إعتيادي في كل محور من محاور حياته سوى الحياتية أو غيرها ، فالكل متشبع بالتقليد وتجسيد مفهوم العادات المشاهبة بكل ما تحمله الكلمة من معني ضمني كان ام واضح ..
فتجد ان فلان قد قرر ان يبتاع هاتف" آيفون " لأنه قد سُلِم أن شركة آبل من أقوى وأفضل الشركات في تكنولوجيا الهواتف المحمولة بالإضافة لكون الجهاز يرمز للفخامة والرقي والتقدم والمواكبه ، بيد ان هذا الفلان لا يفقه لما سبق ذكره ولا يهتم حتي بمدى تقدمية تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات الحديثة في الآيفون بل تطبع بالطبع الثاني من ماسبق وهو ما جعل تُجار الهواتف يضعون لمنتجات شركة آبل اسعار خرافية أدت لتأكيد مفهوم ان الرقى والطبقة الراقية لابد لها من استخدام هذه المنتجات ، هذا الأمر ينطبق على معظم الأمور الحياتية سوى في أسلوب اللباس العام أو الأكل أو حتي كسر اللهجة العامية وخلطها بلهجات خليجية او كلمات إنجليزية للتمجيد الشخصية المثقفة بالتسليم للمفاهيم التي لا تشبه عادات او تقاليد أو حتي طبع المجتمع الفعلى .
هذا الامر لا يقتصر على الجانب الشخصي فحسب بل يمتد ليطال كل جوانب العمل العام والخاص والخيري بكل مجالاتهم فتجد أن النمطية في العمل الإبداعي مثلاً مفهوم إخراج الفيديو أو التصميم بأجهزة " iMac " هو أفضل ألف مره من ما يتم إنتاجه من الأنظمة الأخرى ، واذا حاولت ترسيخ أن نظام التشغيل لا علاقة له بالإبداع تجد الإصرار القاطع بنظرية ان الماك أكثر قدرة وأبداعاً من الويندوز بيد ان هذه النظرية هي محض أسطورة فلو قارنا مواصفات ويندوز العُليا بنفس المواصفات من قرينه الماك .. تجد ان النتيجة النهائية تعتمد على مرونة العمل ومدى إتقان المصمم أو المنتج لمفاهيم العمل ومدى مقدرته على اخراج عمل ابداعى فقط ، ولا علاقة لنظام النشغيل أو شركة المنتج بجودة العمل .
الأمر ينطبق كذلك على مهندس الديكور الذي يعتقد ان هذه الوظيفة محض تعليم جامعي وأسس بعيد عن تحديثات العالم الخارجي فتجد الجمود في معظم تصاميمه وتلويث بصري شنيع ولكن قد سَلم المستهلك أن زخم الأعمال الجبصية في سقف المنزل يضيف للمنزل أناقة مع الإضاءة الملونة في حين أن ان السقف هو امتداد لسماء المنزل وبالتالي راحة العين هي الأنفع في هذا المنطق وليس زخم المربعات وكثافة الإضاءة الملونة .
تمتد هذه النمطية لتجدها حتي في العلاقات بين زملاء العمل أو حتي بالمنزل بين الأسرة الواحدة ، فالمشاحنات وعدم تقبل الأخر يصب في منصطلح النمطية الحمقاء وان كانت هذه الحماقة هي بداية تكوين اي فريق عمل ، فعقلية التنافس والسباق في فريق العمل الواحد تؤدي في أخر الأمر للفشل العام وعدم مقدرة الفريق على إنجاذ اي مهام لعدم مقدرتهم على تقبل الآخر وإحترام رأيه ، كذلك نظرية أن الأب هو دائماً على صواب خاطئة فإحترامنا لرأي الأبوين هو الواجب الصحيح أما صحة مايتخذونه من قرارات دون النظر لجوانب قد تكون مهمه في بعض الوقت مهم أيضا ، كما ان نظرية ان الزوجة مفروض عليها خدمة الزوج خطأ فهي ليست خادمة حتى يفرض عليها غسيل الثياب وإعداد الطعام ..الخ من خدمات هي بالأصل تفعلها من منطلق الإنسانية ورحمتها التي في قلبها .. أما أنت يفرض عليها ذلك فهو نمطية غير عادلة .
هذه النمطية قد تكون في معظم الأوقات أو المواقف عائقاً في إتخاذ الإجراء الأكثر صحة والأكثر منطقية ..
فنمطية ان الأعمال التصميمية الإبداعية لابد أن لا تحتوي على منطلقات منطقية خاطئة فالأسس ثابتة والمتغيرات هي الإبداع وعبقرية الإخراج ..

التسميات:

الجمعة، 7 أغسطس 2020

تطبيقات أندرويد على نظام تشغيل مايكروسوفت !!

 

فورنيوز- وكالات 

أطلقت شركة مايكروسوفت تحديثًا لتطبيقها Your Phone يسمح لمستخدمي نظام التشغيل ويندوز 10 بتشغيل تطبيقات أندرويد  إلى جانب تطبيقات ويندوز في الحواسيب الشخصية.


وتقوم القدرة الجديدة على ميزة الانعكاس التي يوفرها تطبيق Your Phone بالفعل، إذ يمكن للمستخدمين الوصول إلى قائمة من تطبيقات أندرويد في التطبيق وتشغيلها عبر الحاسوب الشخصي. وستعمل تلك التطبيقات في نافذة منفصلة خارج تطبيق Your Phone.


ويسمح تطبيق Your Phone الجديد أيضًا لمستخدمي نظام ويندوز 10 بدعم تعدد المهام مع تطبيقات ويندوز الأخرى من خلال دعم النقر على مفتاحي alt+tab، كما يسمح بتثبيت تلك التطبيقات في شريط المهام في نظام ويندوز 10 أو قائمة (ابدأ). وتعني القدرة على تشغيل التطبيقات مباشرة من تطبيق Your Phone أنه أصبح بإمكان المستخدمين تثبيت تطبيقات أندرويد على شريط المهام وتشغيلها كما لو كانت تطبيقات ويندوز عادية.




مايكروسوفت تدمج تطبيقات أندرويد في ويندوز 10 مع تطبيق Your Phone

ويعتقد أن جزءًا كبيرًا من تجربة تطبيق Your Phone الجديدة هذه تعني القدرة على تشغيل العديد من تطبيقات أندرويد جنبًا إلى جنب، وهو ما أعلنته شركة مايكروسوفت مع الإعلان عن هواتف (جالاكسي نوت 20) Galaxy Note 20 من سامسونج في وقت سابق اليوم. ولن يتمكن مستخدمو ويندوز 10 من الوصول إلى هذه الميزة المحددة حتى “وقت لاحق من العام الحالي” على أجهزة (جالاكسي نوت 20)، وتقول مايكروسوفت: إنها تعمل أيضًا مع سامسونج لإحضار هذه الميزة إلى الأجهزة الأخرى.


يُشار إلى أن جميع تطبيقات أندرويد لن تعمل بسلاسة مع ميزة Your Phone الجديدة. وتُنبّه مايكروسوفت إلى أن بعض التطبيقات قد لا تدعم العمل على شاشات أخرى، مما ينتج شاشة سوداء بدلًا من ذلك. ولن تستجيب بعض التطبيقات والألعاب أيضًا للوحة المفاتيح أو الفأرة.


ويتعين على المهتمين بتجربة الميزة الجديدة امتلاك أحد أجهزة سامسونج. وقد نشرت مايكروسوفت قائمة بأجهزة أندرويد المدعومة التي تقتصر في الوقت الراهن على أجهزة سامسونج فقط.

التسميات:

الأربعاء، 22 يوليو 2020

البرهان يطع على أهداف مبادرة تسامح من أجل الوطن



الخرطوم - فورنيوز

إطلع رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان   على أهداف  "مبادرة التسامح من أجل الوطن "
وأكد خلال لقائه بمكتبة بالقصر الجمهوري وفد المبادرة برئاسه الدكتور اشرف سيد أحمد الكاردينال على أهمية  المبادرات في هذا التوقيت
مشيرًا إلى حاجة البلاد لمثل هذه المبادرات التى تخدم قضايا الوطن 
  وقال الأمين العام لمبادرة التسامح من أجل الوطن الدكتور محمد المصباح عبد العاطي عقب اللقاء"  اننا وجدنا تفهما كاملا من رئيس مجلس السيادة الانتقالي والذي أكد دعمه الكامل ومساندته لها حتي تحقق أهدافها  المتمثلة في وحدة كلمة  أهل السودان كافة .واضاف المصباح الى أن المبادرة  مجتمعية تضم شرائح المجتمع السوداني و تهدف لتقديم رؤية موحدة بشأن كثير من القضايا  ومعالجة  التحديات التي تجابهه في الوقت الراهن  .
واختتم المصباح قائلا إنه سيتم  عقد لقاءات مع كافة مكونات المجتمع في هذا الصدد.

التسميات:

الأحد، 28 يونيو 2020

أريدُ ألْبـاً في ألمانيا


عمرو منير دهب
nasdahab@gmail.com

رأيـْـنـا أن أعظم ما يراود أبناءَ شعوب القسم الجنوبي من الكرة الأرضية من أحلام هو العبث ببراءة تحت أجواء مماثلة لتلك التي ينعم تحتها أندادُهم من أبناء القسم الشمالي من الكرة ذاتها، وهو حلم لم تفلح العولمة – كما ذكرنا - حتى اللحظة في تحقيقه على مستوى الأجواء المفتوحة، ذلك أن الأجواء المغلقة في الجنوب قد شهدت منذ ما سبق العولمة بكثير محاكاةَ أجواء الشمال بل والتفوّق عليها برودةً في الصيف القائظ، فاعتدالُ الصيف الشمالي لا يستدعي أكثر من مروحة للتخفيف من وطأته، وإن تكن  تلك الوطأة تــَـثــْـقــل أحياناً إلى درجة تجعل الشمالـيّـين يفرُّون من بيوتهم أشباهَ عُراة توسُّلاً إلى قطرة ماء على شاطئ قريب أو بركة سباحة عمومية في وسط المدينة تطفئ لهيب الشمس المجنونة. نقول "قطرة ماء" لأن اكتظاظ الشواطئ (فضلاً عن بــِـرَك السباحة الصغيرة) بالـ "متجرِّسين" من الحَرّ هناك يكاد يجعل متوسّط حصة الفرد من الماء في تلك الأجواء قطرة، ونقول عن الشمس مجنونةً حين تــُـري الشماليين وجهها الآخر الذي يجهلونه وهم  يتحرّقون شوقاً إلى الأيام المشمسة في غمرة صقيعهم القارس الممتدّ أغلبَ أيام السنة، أما نحن فلا حاجة ملحّة إلى التذكير بأننا نعرف جنّ الشمس "عدلة وقلبة"، وتقف حدودُ سخطنا عليه ظاهرياً عند التبرُّم مهما يكن ذلك الجن "كـَـلـَـكِـيـّاً"، وإن كان البعض يرى أن الباطن من تجلّيات سخطنا على الشمس المحرقة يستفز أكثرَ ظـنوننـا جرأةً.

خيّبت العولمة إذن حتى اللحظة آمالَ أبناء الجنوب في تحويل سماواتهم الحارّة إلى ثلاجة كبيرة، ولعلّ أبناء الجنوب يكلِّفون العولمةَ المسكينة فوق طاقتها إذا حسبوا أن طلباتٍ من ذلك القبيل تقع في نطاق قدراتها، فالعلم لا يزال المسؤول الأول والمباشر عن تحقيق حلمٍ على تلك الشاكلة، ولكن العلم في زمن العولمة قصةٌ المختلفُ فيها أن بحوث المختبرات العلمية المغلقة - التي تطلع بنتائج أقرب إلى الخيال – باتت أيسر تحقــُّــقاً على أرض الواقع وطوافاً حول تلك الأرض بما يشمل العالم قاطبةً.

وكان الخليج تحديداً مسرحاً لانقلابات غير طبيعية تتعلّق بظواهر طبيعية مما يقارب الشاكلة أعلاه، ولكن ذلك حدث أيضاً قبل العولمة بزمان، فانقلابُ الصحراء إلى جنة ليس حلماً من وجهة نظرٍ ما، لكنه عادةً مما يستغرق حقباً جيولوجية مديدة لتحقيقه، غير أن إصرار القائمين على الأمر في بعض أكثر بقاع الأرض صحراويّةً إضافة إلى المال الوفير بطبيعة الحال قد جعلا ذلك الحلم ممكناً في غضون عقدين أو ثلاثة. ولكن مجدّداً يبدو سحر العلم الأخضر ذاك متاحاً على نطاق الغرف المغلقة وفي المنتزهات وجُزر الشوارع الرئيسة وليس المساحات المفتوحة على مدّ البصر، تماماً كما كانت سيرةُ أجهزة تكييف الهواء التي برّدت كل مساحة مسقوفة في الخليج وتركت فضاءه فرناً كبيراً.

وأنت تسِير فيما كان قبل زمان وجيز صحراءَ قاحلة بامتياز تقع في كثير من مدن الخليج على مظاهر زراعية تفوق كثافة وجمالاً ما يُفترض أن يكون متاحاً بسهولة في مدن عربية مجاورة شكّلت على مدى تاريخها حضارات زراعية بامتياز. وهكذا فإن العلم قد أدّى أمانته بنجاح وإخلاص كبيرين، ثم جاء دور العولمة فبدت حتى اللحظة عاجزة عن أن تخرج بإنجازات العلم من الغرف المغلقة والمنتزهات وجزر الشوارع لتنهمر من كل سماء وتنفجر من كل أرض. فالمعجزة الخليجية الخضراء مهما بدت مُـدهشة فإنها لا تزال حبيسة البيوت البلاستيكية والآنية التي تضمّ الشتلات من كل نوع وحجم، ولا تزال تلك المعجزة تمشي على استحياء عندما يُراد لها أن تعمّ السهول والروابي كما في حقول الشمال الممتدّة على آماد البصر.

على نحو يذكِّر بلهفة الهندي سوراج الذي كان يمنــَّــي نفسه بجليد سويسرا في شهر أغسطس كانت مجموعة من المبتعَثين من شطر الأرض الجنوبي - في دورة تدريبية إلى أحد معاقل التكـنـولوجيا الألمانية – تــُـمنــِّــي أنفسها بمشاهدة سلسلة جبال الألب الشهيرة فيما يتيسّر من أوقات الفراغ التي تتخلّل الدورة. كان ذلك صعباً لسبب لم يذكره على وجه التحديد القائمون على أمر ترفيه المبتعَثين من المدرِّبين الألمان، لكن الأخيرين شرعوا في التجهيز للرحلة تحت إلحاح المتدرّبين وضغوطهم الصبيانية لاستكشاف سلسلة الجبال الأكثر شهرة على نطاق أوروبا، وفي طريق العودة من الرحلة التفت المشرف الألماني إلى ضيوفه الباديةِ على وجوههم إماراتُ الغبطة والرضا قائلاً: "ألــْـب... ألــْـب... ألــْـب، ها قد رأيتم الألب الآن".

أهَمُّ ما في قصة أولئك المتدرّبين السعداء برؤية الألب (ربما أكثر من سعادتهم بمحصّلة التدريب الذي ابتــُـعثِوا من أجله) أن كلَّ واحد منهم كان كلّما زار بعدها بلداً أوروبيّاً يمخر الألبُ سحابَه جعل يحدِّث أهلَ ذلك البلد مزهُوّاً باعتلائه قمة الألب الألمانية، وكانت ردود أهالي تلك البلاد "الألبيّة" على اختلافها تــُـجـمِـع على أن السلسلة الشهيرة لا تمرّ بألمانيا، وعندما يصرّ الواحد من أولئك المتدرّبين على أنه اعتلى  بالفعل قمةً بالغة الارتفاع هناك فإن الردّ  يأتي مفيداً بأن ارتفاع قمة الجبل وحده لا يقوم دليلاً على أن ذاك هو الألب "سيد الاسم". غير أن المشرفين الألمان أكّدوا عقب الرجوع إليهم أن ذلك هو الألب، أو على الأقل حلقة من سلسلته الشهيرة، لكن ما بدا واضحاً أن تلك الحلقة – إن كانت بالفعل تمتّ إلى الجبل الشهير بصلة - لا تعني لبقية دول الألب الشهيرة (من أمثال سويسرا وفرنسا وإيطاليا)  شيئاً.

وإذ لا يزال الجدل محتدماً بين المتدرّبين من أبناء العالم الجنوبي من جهة والمشرفين الألمان من جهة ثانية وحفنة من أبناء الدول التي لا مراء في "ألـبـيـّـتـهـا" من جهة ثالثة، فإن العولمة وعلمَها لا يزالان عاجزَين عن أن يبلّا غليلَ أبناء العالم الجنوبي فيما يخصّ معجزاتِ الطبيعة المفتوحة مما هو على شاكلة التلذُّذ بنعمة إطلاق البصر في السهول والروابي الخضراء أو اعتلاء القمم الشاهقة من سلسلة جبال ضخمة ليس بالضرورة أن يكون اسمها الألب. نقول ذلك مع أن مشروعاً لبناء منحدر صناعي للتزلج على الجليد كان قاب قوسين أو أدنى في بعض جبال الجنوب غير الشاهقة، في خطوة كان من شأنها لو تمّت أن تــُـحسب جبارةً لصالح العلم والعولمة على ذلك الصعيد الذي يبدو مستحيلاً حتى اللحظة.

التسميات:

الأحد، 14 يونيو 2020

البندقية



عمرو منير دهب
nasdahab@gmail.com

الاستجابة لبرنامج سياحي - حول أي من بقاع العالم – أعدّته شركة سياحة كبرى، أو أخرى صغرى تحت وصاية الشركة الكبرى، من شأنه أن يجلب على الواحد بهجة فريدة مهما تخلّل البرنامج من منغصات، كالحجرات الضيقة للفنادق المضيفة أو التأخير في مواعيد إقلاع الطائرات المقلّة (ومن ثمّ التأخير في مواعيد هبوطها)، فتلك إجمالاً من المضايقات العابرة قياساً إلى لذة استكشاف مكان جديد، ولعل هذا هو الوتر الذي تعزف عليه شركات السياحة باطمئنان وهي تدعو الناس إلى استكشاف العالم والصورُ الخلّابة تزيّن مساحاتها الإعلانية لا يضيرها شيء من منغصات الرحلات العابرة للقارات، فبهجة التضاريس والطقوس الجديدة غالباً ما تستحوذ على مزاج السائح فلا تدع فيه متسعاً ذا بال للتبرّم من مساحة غرفة ضيقة، خاصة عند العودة واستقبال المقرّبين بقصص الفتوحات العظيمة امتداداً لاستشعار اللذة بتحقيق المباهاة كجزء مكمّل وأصيل (وأخير؟) لرحلة السياحة الواجب تحليل كل مليم أُنفِق عليها، ويبدو تحليل المليم الأخير بالذات مرتبطاً تماماً  بقراءة الدهشة (والغيرة؟) في عيون المستمعين ممن لم تأذن لهم ملاليمهم ذلك الصيف بالقيام برحلة مماثلة.

التحدي الأكبر مع برامج شركات السياحة  يكمن في السؤال عن أيّ من تلك البرامج سيبقى  أفضل من غيره في ذاكرة سائح مدمن على الطواف حول العالم. ذلك في الواقع، وبتحديد أدقّ، هو تحدي مدن العالم وقــُـراه في الإلحاح على ذاكرة زوّارها من السياح بعد انقشاع رعشة الزيارة الأولى بحيث يصبح تكرار الزيارة حلماً يراود السائح إلى أن تتحقق الزيارة الثانية أو تأذن ملاليم السائح المسكين المنهك مالياً من تبعات الرحلة الأولى بمواصلة الحلم الجميل لسنوات أطول.

وفي ذلك تتنافس بقاع الأرض وسماواتها بحيث تنادي كل بقعة وسماء كل سائح: "هيت لك"، ويبقى الحكم منوطاً آخر الأمر بمزاج السائح في الاستجابة لهذه البقعة أو تلك السماء، فمن سائح يؤثر الهدوء إلى آخر يحبـّـذ  الصخب، ومن مغامر يعشق القمم الشاهقة إلى مستكين لا يرى أفضل من الارتماء في أحضان السهول الوادعة، وبين أولئك يبقى السائح الأفضل حظاً هو ذلك الذي يرى بقاع الأرض وسماواتها "كالغيد كلُّ مليحة بمذاق"، والعهدة في تذوّق الغيد على الشاعر رفيع المقام أحمد شوقي.

للماء في ثقافة السياحة حضور بليغ الأثر، خاصة إذا كان الماء طاغياً في مشهد قرية أو مدينة. وطغيان الماء في مشاهد القرى والمدن قد يكون معنوياً كاشتهار المدينة بنهر يتخلّلها في وداعة كالنيل والسين والراين، أو حرفياً كشلالات نياجارا التي تبدّد سكينة المناطق الوادعة من حولها.

المشهد الأكثر خصوصية على الإطلاق للماء في حضرة مدينة هو من نصيب البندقية الإيطالية لا ريب، فطغيان الماء فيها يتمثل في الشقين المعنوي والمادي للحضور بوضوح كبير. ذلك أن المدينة الأسطورية يتعدّى تكوينها صور الجزر المألوفة بحيث تبدو أبنيتها تكوينات حجرية أصيلة تنتمي مباشرة إلى الماء الذي تخرج منه وليس إلى جزر صغيرة تتيح تخيـُّـلَها عتبةٌ على مدخل بناية أو رصيف يحيط بمجموعة من الأبنية المتراصة في جوار لصيق.

إذا كان من عادة سكان البندقية أن يخرجوا من بيوتهم بالقدم اليسرى، وهو افتراض جدلي بغرض التمثيل لا غير، فلنا أن نتخيل مشهد مغادرة رجل بندقيّ منزلَه بحيث لا تزال قدمه اليمنى داخل البيت بينما اليسرى تطأ "الجندولا"... أو تخطئه (في احتمال شبه مستحيل) فتقع في الماء.

غير أن السهو وارد وإن بنسبة واحد في المائة، لذلك أتصور سكان البندقية شديدي الانتباه إلى مقتنياتهم الصغيرة، فحافظة نقود تقع في يد طفل صغير يعبث بها ثم يرميها عبر النافذة لا سبيل إلى اللحاق بها سوى بالطيران عبر النافذة والتقاطها قبل أن تغوص في أعماق الماء، لكن هواجس كتلك لا تبدو تراود خيال أبناء وبنات المدينة الأسطورية الذين يطلّون من شبابيك أبنيتها كمن يقف على أرضية صلبة ويشرف على إطلالة أكثر صلابة.

ما الذي فعلته العولمة بالبندقية؟، إتاحة صورها على الإنترنت ليست بالتهديد الخطير لسحر المدينة الآسر، وإن كان ذلك السحر أبلغ أثراً بالألباب وأمضى سرياناً في القلوب بإطلاق الخيال عند الإنصات إلى أفاعيله من لهاة مطرب كمحمد عبد الوهاب على لسان شاعر كعلي محمود طه، وكلاهما من مصر. كذلك فإن إتاحة زيارة المدينة الأسطورية بتوفير عروض سياحية مغرية اقتصادياً (وهذا من بركات العولمة مهما قيل عن الأزمة الاقتصادية التي حدثت بفعلها) من شأنه أن يزيد أفواج السائحين المتوافدين صباح مساء من كل أصقاع العالم المترامية، لكنه على الأرجح لا يبدّد رعشة رؤية الأسطورة وجهاً لوجه أو ينال من حظ الاحتفاظ بها متأججة في أخيلة من لم يروها بعدُ حتى مع تواتر الحكايات المصورة مع العائدين.

غير أن العولمة أنكى وأشد مكراً من أن تدع كائناً يهنأ بفرادته، والمدن ليست استثناءً في هذا حتى إذا كانت المدينة في سحر البندقية. وهكذا فإن انتشار "بندقيات" حديثة مصغرة في قلوب عواصم العالم الكبرى لا يمكن أن يصنــَّـف سوى على أنه صرعة عولمية صرفة، لكن ليس من شأن ذلك على أية حال أن يقلق إيطالياً كــجان لوكا - أحد أبناء البندقية البررة - وهو يرشد ضيوفه السياح إلى مواطن الخصوصية مما استــُـودِع  جنبات المدينة العائمة التي بناها أهلها قبل قرون لتكون نمطاً لحياة فريدة تحكي قصة دراما واقعية للفرار من الطغاة لا رواية عولمية مترفة بهدف الترويج للسياحة هنا وهناك.

التسميات:

الأحد، 7 يونيو 2020

الكاميرا ليست خفية



من كتاب: غرفة نومك في العولمة

عمرو منير دهب
nasdahab@gmail.com

ما علاقة مهرجان المسلسلات والفوازير والكاميرات الخفية برمضان؟ سؤال قديم لا إجابة مقنعة عليه سوى ما قد يذهب إلى ترجيح نظرية المؤامرة بعمل القائمين على الإعلام في البلاد المعنية على إفراغ الشهر الأغرّ من مضمونه الروحي، وحظ أولئك المسؤولين إذا تجاوزنا قاموس السياسة الحديث إلى معجم أصول الفقه والحديث هو تحمُّل  وِزر مَن سن سُنة سيئة، أو وِزر من اكتفى باتــّـباعها في أحسن الأحوال.  كل ما سبق لا يعنى هذا السياق في شيء سوى كونه مناوشة شاردة على سبيل التقديم.

الأرجح أن العرب انتظروا طويلاً كالعادة قبل أن يعرّبوا فكرة الكاميرا الخفية أوائل ثمانينيّات القرن الماضي، ولم يكن التعريب يعني سوى استبعاد المقالب "المُــخلّة" أخلاقيّاً بحصر مفهوم الأخلاق في الاحتشام الجنسي ظاهريّاً، أما سُخف المقالب وثقل دمها على الضحايا - مقابل جاذبيتها للمشاهدين في كثير من الأحيان - فقد قطع فيه العرب شوطاً لا يُضاهى، والحق أن ابتداع العرب فيما يخصّ ذلك الصنف من المقالب ظل مضماراً لم يقصِّر فيه القوم بفرس رهان حتى بلغوا الغاية في السخافة.

من خير الكاميرا الخفية أنها فضحت سلوكنا فيما نمارسه ولا نجرؤ على إذاعته. الكاميرا ليست خفية إذن إذا تعلّق الأمر بممارسة سلوك ما، إنها لا تــُـنبئ عن سلوك غير موجود بل تكشف سلوكاً مستتراً لا نقوى على إذاعته، الكاميرا ليست سوى أعيُننا التي ترى ولا تستغرب فعلاً أو ردة فعل إلا وهما يُعـلـَـنان على الملأ. الكاميرا، والحال كتلك، ليست خفية إلا بقدر ما تبدو أعينـُـنا ذاتها خفية ومتلصّصة.

كاميرا "الخواجات" المحمولة - كما يصفونها - لا يطغى فيها الصراخ والضجيج والضرب والوعيد على شاكلة: "أنت لا تعرف من أنا"... "أستطيع أن أغلق لكم هذا المحل في ظرف دقائق"، فأيّ واحد هناك يستطيع إغلاق أي محلّ بالقانون إذا ارتكب المحلّ ما يدعو إلى إغلاقه  دون أن يكون المجني عليه شخصية مهمة، وعليه فلا معنى عندهم للوعيد: "أنت لا تعرف من أكون".

الأهم في هذا السياق أنه لا مجال للصياح والانزعاج في بلاد الفرنجة مع كاميرا خفية أو ظاهرة، فالحقوق عندهم تؤخذ عن طريق القانون لا غلاباً بالصوت الأعلى واليد الطولى.

والأكثر أهمية هو مجال المزاح الذي يكشف أن ما يدعو إلى الانزعاج لحدّ التهديد بالصوت العالي وما وراءه ليس في قاموس "الخواجات" بحال في تداولهم اليومي للحياة، فهم قد تجاوزوا تلك البدائية في يوميّاتهم إلى حدّ أن مجرّد التذكير بها على سبيل الدعابة لم يعد وارداً.   

المحصلة أن كاميرا "الخواجات" الخفية هي على العموم مزحة خفيفة مقابل حالة مزمنة من ثقل الظل لدى كاميرات العرب، والسبب ليس طرافة أفكارهم وبساطتها إزاء دم أفكارنا الثقيل، بل قصة الوجهين (وربما الوجه والقناع) اللذين نقابل بهما ما دق وما جلّ من يومياتنا في الحياة.

يجب أن أقرّ بأن مشاهدة كاميرا خفية عربية جيّدة الصنع مسألة من شأنها أن تبعث في روحي قدراً لا يمكن إنكاره من التسلية والنشوة رغم إشفاقي غير المحدود على الضحايا وإيماني القاطع بوجوب الكف عن ذلك الابتذال لدواعٍ أخلاقية، بالمعني الكبير للأخلاق. ألا يشبه هذا الصنيع ذمّنا الإباحية الإعلامية في رمضان من على كل منبر متاح ثم التفافنا حول التلفزيون قبل الإفطار وبعده لمشاهدة ما سنذمّه لاحقاً كلما استدعى المقام الصعود إلى منبر ديني أو أخلاقي؟ ألا تبدو كبرى مصائبنا أننا نشطر حياتنا إلى نصفين: نصف مثالي ندعو إليه ولا نقوى على ممارسته، وآخر نمارسه ولا نملك جسارة الاعتراف بسطوته وجاذبيته؟

 لقد فشلنا في تعديل سلوكنا ليتفق وما ندعو إليه (ليس ما نؤمن به بالضرورة)، أليس وارداً أن تكون الخطوة التالية هي تعديل ما ندعو إليه ليوائم سلوكنا؟

التسميات:

الأحد، 31 مايو 2020

سادتي سيداتي





عمرو منير دهب

nasdahab@gmail.com

ما نقوم به الآن من طواف حول العالم لا يدخل في نطاق المغامرات ولو كان مشياً على الأقدام. الأهم من وسيلة الطواف في استكشاف العالم ومَن يسكن بقاعه المترامية هو مدّةُ الإقامة، وأهم من المدة طبيعةُ الإقامة لا شك.

الروّاد الأوائل في الاستكشاف كانوا روّاداً في المغامرة تحديداً، فالواحد منهم كانت تستهلكه قسوة الرحلة وفظاعة أهوالها المخـبّأة فلا تدع له براحاً للتأمل في المعرفة عندما يحطّ رحاله في وجهته الأخيرة، أو أية وجهة عابرة على الطريق، إلا بالإذعان لثقافة المستكشـَـفين أو فرض ثقافته عليهم بحسب قوة كلٍّ منهما قياساً إلى الآخر. هل تغيّر الأمر الآن؟، الأغلب أن المحصلة هي نفسها ولكن فسحة التأمل أطول بما يجعل القوى في كثير من الأحيان متأرجحة أكثر من كونها ثابتة منذ الوهلة الأولى لصالح طرف دون آخر.

ليس من مغامرات إذن في الطواف حول عالم اليوم سوى تلك المحاولات المصطنعة التي تقرّر في إحداها مثلاً مجموعة من الشباب أن تذهب على متن قارب شراعي في رحلة حول ما تيسّر من العالم وقاربُهم ذاك مزوّد بأحدث أجهزة الملاحة والاتصال الحديثة، تلك لا ريب مغامرة قياساً بذات الرحلة على متن طائرة، ولكن ألا يشبه ذلك في النهاية مجموعة من سكان مدينة من أصول بدوية أخذهم الحنين إلى الماضي فنصبوا خيامهم على بعد بضعة كيلومترات من منازلهم الفخمة ذات الطراز الحديث التي غادروها إلى تلك البداوة المصطنعة على صهوة سياراتهم الفاخرة المحمّلة بكل أسباب الراحة من هبات العصر الحديث؟

بعيداً عن المغامرات وأمجاد المستكشفين الأوائل، والأمجاد المشتهاة لمن تأخرّ بهم الزمان فلم يدع لهم من المغامرة والاستكشاف حظاً سوى الاصطناع، بعيداً عن ذلك (أو قريباً منه) لا يبدو الترتيب لرحلة إلى الطرف الآخر من العالم مكلّفاً (من حيث المغامرة المعرفية) أكثر من سؤال أحد المقربين ممن ذهب إلى هناك (وما أكثرهم بقدر ما أصبحت الريادة في ذلك المجال شبه مستحيلة) عن الواجب حمله من المعرفة في تلك الرحلة، فإذا تعذر وجود ذلك المقرّب فما أكثر وسائل التلقين المتاحة، وأشهرُها المدعوّة الشبكة العنكبوتية.

باول نايت وأمثالُه من الإنقليز هم الأكثرُ حظاً فيما يخصّ الواجب حمله من عتاد المعرفة في رحلات هذا الزمان الاستكشافية، ولا مجال للمقارنة بين قوم مستر نايت وبينا، لا في عتاد المعرفة الواجب حمله في الأسفار ولا المتاع الذي تنوء بحمله ظهور طائرات البوينق وكواهل الإيرباص سواء في مواسم الهجرة إلى الشمال أو الأوبة من الجنوب، والعكس.

باول ورفاقه محظوظون لأن العالم يتحدّث الإنقليزية، وعليه فلم يكن قـدَرهم أن يتعلّموا لغة تختارهم ولا يختارونها، لكن اللافت أن أمثال مستر نايت (وهو محاضر في علوم الإدارة المالية) لا يكتفون بعتاد اللغة فحسب وهم يهمّون بالسفر، فالأكثر أهمية لديهم المحاضرات الاستهلالية التي تعقد لأمثالهم لإرشادهم إلى أقصر الطرق إلى استيعاب  ثقافة ووجدان أولئك الذين ابتعثوا لتدريبهم أو العمل معهم، فإذا تعذر عقد تلك المحاضرات فإن مُبتعثاً أجنبياً على شاكلة باول لن يفكّر في مغادرة مسقط رأسه قبل أن يقرأ كتاباً إرشادياً عن مساقط رؤوس أولئك الذين ابتعث إليهم ويحفظه عن ظهر قلب.

بدا باول تلميذاً نجيباً وهو يستهل محاضرته عن "الإدارة المالية لغير المتخصصين" بتسميع ما تلقــّـنه عن ذلك الكتاب الذي قرأه عن ثقافة العرب وعاداتهم، مرة محذراً ومرة محتفياً وفي أغلب الأوقات مبدياً تحفظه في التعليق على هذه العادة وتلك، لكنه على الدوام كان يؤكد احترامه لكل العادات والتقاليد العربية باستثناء ما قد يؤثر على جدول التدريب كعدم احترام المواعيد.

في نهاية الدورة أبدى باول إعجابه الشديد بالتزام المتدربين العرب بالمواعيد على غير ما يقول "الكتاب" (هكذا قال حرفياً)، وأكد مندهشاً أن مواعيد سير الدورة ابتداءً وانتهاءً وما تخللها من استراحات قصيرة كانت في دقة دورة تــُــعـقـد في المملكة المتحدة (لم يكن الرجل يعلم أن الحضور الموقر تلقى وعيداً جادّاً من قبل المؤسسة التي ابتعثته بخصم قيمة الدورة من راتبه في حال الغياب أو التأخير).

عندما همّ باول بإلقاء كلمتين للوداع في آخر الدورة طلب من الحضور ذكوراً وإناثاً الإنصات جيداً ثم توجّه إليهم بالخطاب وعيناه تلمعان سعادة بنجابة الاستذكار: "سادتي سيداتي...". لم يكن الرجل بحاجة إلى أن يؤكد للحضور أن الكتاب الذي قرأه قال له إن العرب يقدّمون المذكّر على المؤنث، لكنّ نفراً من الحضور أومأ إليه بأن العرب كثيراً ما يجرون على عادات غيرهم وعليه فلا حرج من أن يقول "سيداتي سادتي" فهي متداولة عند العرب بذات الترتيب. عندها لم يكن في وسع باول سوى أن يصيح: "آه... لا بدّ أن الكتاب الذي قرأته كان قديماً!".

التسميات:

الخميس، 28 مايو 2020

اختيار السودان لبناء بروتوكول عناوين الانترنت [ipv6] بالسودان



اليوم الخرطوم الخميس الموافق 28-5-2020 لقد تم اختيار السودان لبناء مركز خبرة الاقليم العربي لعناوين الانترنت [ipv6] وانترنت الاشياء, وقد وقع جهاز تنظيم الاتصالات و البريد اتفاق مع الاتحاد الدولى للاتصالات وقد تم اختيار السودان لبناء مركز خبرة الاقليم العربي للاصدارة السادسة من بروتوكول عناوين الانترنت [ipv6] وذالك بعد مداولات بين الجانبين بالتوقيع علي اتفاق بناء المركز بالسودان.

قال مدير عام تنظيم الاتصالات و البريد م.م.د.الصادق جمال الدين الصادق ان اختيار السودان لاستضافة المركز لانه سبق الاعداد للانتقال للاصدار السادس من بروتوكول عناوين الانترنت وله نشاطات ملموسه فى هذا الاطار محليا ومع بعض الدول الشقيقه, قام السودان بطلب المساعده من الاتحاد الدولى للاتصال الي استكمال مابداه لمساعدة بعض الدول في بناء خططها و تدريب كوادرهافى هذا المجال مشيرا الى اهمية موضوعين فى نفاذ حيز العاوين المتاح حاليا فى الاصدارة الحالية من برتوكول [ipv4] من ما ادا لوضع خطط وبرامج للانتقال الي بروتوكول [ipv6] السادس التي يمكنها استعاب الزيادات الكبيره التي حدثة فى شبكة الانترنت و التطورات الكبيرة التي صاحبة انترنت الاشيا [ioT] الذي يتطلب و جود عنوان لكل جهاز او طرف متصل بالانترنت , مما ادى لوضع خطط و برامج لاستيعاب هذه الطفرات وما يتطلبةة ذلك من برامج تدريبه وتاهيل للكوادر المحليةة التى تقوم بهذا الامر.

التسميات:

الأحد، 24 مايو 2020

كيف تــُـصنع العولمة؟


من كتاب: غرفة نومك في العولمة

عمرو منير دهب
nasdahab@gmail.com

"هل يمكن لمجتمع ذي جذور شعبوية عميقة أن يتغير بسرعة؟، يمكن للأفراد أن يتغيروا، وقد تغيروا بالفعل. ولكن هل يمكن فرض بنية سوق الاقتصاد المتقدم - أي قوانينها وممارساتها وثقافتها - على مجتمع تربّى على العداوات القديمة؟. تشير "بلانوا ريال" إلى إمكانية حدوث ذلك".

السطور السابقة من الترجمة العربية لكتاب أصدره آلان قرينسبان رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي السابق بعد أن تقاعد، يحكي فيه خلاصة ستة عقود من التجربة الاقتصادية بأسلوب لا يخلو من المتعة، والفقرة المقتبسة من فصل بعنوان "أمريكا اللاتينية والشعبوية"، وفي حين أن تعريف "الشعبوية" كما أورده قرينسبان عن القاموس هو "الفلسفة السياسية التي تدعم حقوق الشعب ونفوذه..." فإن قرينسبان نفسه يرى أن الشعبوية الاقتصادية هي "ردّ من الشعب الذي جرى إفقاره على المجتمع المقصّر، وهو ذلك المجتمع الذي يتميّز بوجود  نخبة اقتصادية يُنظر إلى أفرادها على أنهم قامعون". أما "بلانو ريال" فهي - كما يختصرها قرينسبان -   (الخطة الواقعية) التي وضعها القادة البرازيليون فأوقفت تضخم بلادهم الشديد بعد بلوغه نسب مئوية خيالية (5000 بالمائة) خلال سنة واحدة في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي.

ليس المهم فيما سبق أن رجلاً في مقام آلان قرينسبان يؤكد إمكانية انقلاب ثقافة اقتصادية متأصلة في شعب ما إلى النقيض خلال زمن وجيز نسبياً، فالمفارقات المذهلة في ذات السياق عن الصين في كتاب قرينسبان وغيره تفوق مفارقة "بلانو ريال" البرازيلية بما لا يدع مجالاً للمقارنة. المهم أن قرينسبان ومن في حُكمه قدْراً – بعيداً عن المعادلات الاقتصادية والرسوم البيانية ذات الصلة – يُبدون اندهاشهم بوضوح كلما زاروا بلاداً بعينها من الطريقة التي تتغلغل خلالها العولمة في شرايين أنظمة ومجتمعات كانت ألدّ ما تكون عداوة لأساليب الأسواق التي فرضتها العولمة، دع عنك اعتناق تلك الأنظمة والمجتمعات لمُفرَزات العولمة ثقافيّاً واجتماعيّاً مما هو أبعث على الدهشة وأكثر تعقيداً عند التحليل.

في بواكير تسعينيات القرن المنصرم كان كثير من المثقفين، حتى ذوي الخبرة الواسعة منهم في المنظمات الدولية ذات الوصاية الأمريكية، ينظرون بتهكّم شديد إلى جموع الشباب المتدافعة لملء استمارات "اللوتري" الأمريكي التي تتيح فرصة الحصول على الجنسية الأمريكية لكل من هبّ ودبّ بدون أية شروط مسبـقة، وعندما تبيّن لاحقاً أن الادّعاءات الأمريكية بخصوص "اللوتري" صحيحة تدافعت النخب المثقفة ذاتها إلى تحليل فكرة "اللوتري"، وربما التهليل لها.

كانت العولمة - وكل خطوة تضمنتها - كالحادث (الذي يشبه الفيلم الناجح عند بعض النقاد العرب) لا يمكن التنبؤ به بصورة قاطعة ولكن يمكن تحليله بعد وقوعه، ولكن الفريد في قصة العولمة أنها بدت كذلك حتى مع الذين يظهرون في مشهدها كما لو أنهم مهندسوها.

ما يبدو مؤكداً في الحكاية أن المركز الرئيس لمصنع العولمة يقع في الولايات المتحدة الأمريكية، وأنه ما كان لذلك المصنع أن ينشر فروعه حول العالم كما نرى اليوم لولا تفرّد أمريكا بقيادة عالم أحادي القطبية في أعقاب السقوط الشهير لجدار برلين والانهيار الذي لا يقلّ شهرة للاتحاد السوفيتي، ثم الاحتواء الماكر للصين في شراكة اقتصادية استراتيجية لا تُعنى بالتبادل التجاري بين البلدين فحسب وإنما بتنظيم عالمي للتجارة تقوده أمريكا تنظيراً ولا تعكّر صفوه الصين ممارسةً.

اقتصاديّاً تبدو العولمة الآن كالأسرة الكبيرة التي تحتفظ بولاء الانتماء إلى الجد الأكبر، في حين أن ذلك الجد نفسه لا يسعه سوى التعبير عن سعادته بتنامي الأسرة وتكاثر فروعها بعد أن رسم لها خطوطها العريضة (ولا يزال يملك التأثير على تلك الخطوط) حتى إذا لم يكن بوسعه التنبؤ بكل موهبة وإنجاز تتفتق عنهما قرائح الصغار المتناثرين على شتى فروع شجرة العائلة.

سياسياً حيث مصنع العولمة بمعنى يكاد يكون حرفياً، ولأن المشكلة لم تكن في ابتداع مفهوم العولمة قدر ما هي في المحافظة على توهّجه وتناميه، فإن الحال تبدو كما لو أن مهندسي التصميم من الساسة المتنفذين ومن حولهم من كبار المستشارين في حالة تأهُّب دائم للتصدّي لسحر العولمة الذي يحمل استعداده الذاتي للانقلاب في كل لحظة على الساحر، وليس في ذلك  التصدّي صعوبة كبيرة ما دامت أعداد السحرة وسيناريوهات تدخلهم بالتصحيح تكاد لا تحدّها قيود في دهاليز السياسة الخفية.

القدر الأبعث على الاطمئنان في سيرة العولمة لصُنــّـاعها هو ما يتعلّق بها ثقافياً واجتماعياً. والمختلف في هذا الصدد، بالرجوع إلى قصة الأسرة الكبيرة، أن مواهب صغار العائلة وإنجازاتهم (فيما يتعلّق بثقافيات العولمة واجتماعياتها) أقل تحرّراً وأكثر اتصالاً (مما هو اقتصادي على سبيل المثال) بخطط كبير العائلة، حتى إن تلك المواهب لا تبدو مبشرة على المدى القريب بقدر ملحوظ من أصالة الإبداع يدور خارج الفلك الذي رسمه كبير العائلة المدعو العمّ سام.

التسميات:

الأحد، 17 مايو 2020

كيف يُصنع العالَم؟


عمرو منير دهب
nasdahab@gmail.com

لم نكن بحاجة إلى أن نعاصر سقوط جدار برلين أواخر الثمانينيات وتفكُّك الاتحاد السوفيتي مع بدايات العقد التالي كي ندرك جانباً من الإجابة المطوّلة على السؤال أعلاه. نقول هذا ونحن نتجاوز عمّن عاصر المُستعمِر ورأى كيف أنه وهو يرحل مرغماً يسلّم مفاتيح البلاد إلى أهلها بيد ويرسم باليد الأخرى حدود البلاد الماكرة مع جيرانها الذين رزح أغلبهم تحت ذات الوطأة. أما من عاصر أيّا من الحربين العالميتين وكان في معمعة أيٍّ منهما وأسعده الحظ بأن يخرج سالماً - وحظينا بأن يكون من قرّاء هذا الكلام - فالأغلب أنه يعرف إجابة السؤال على خلفية واقعية تتجاوز أي تخمين محتمل في السطور المقبلة.

الحكمة الأعمق في الإجابة تفيد بأنه ليس ثمة شيء مطلق فيما يتعلق بصناعة العالم أو الأوطان، فالقلم الذي يرسم خريطة العالم تحرّكه في معظم الأحوال الحروب، والأخيرة تحرّكها النفس الإنسانية الأمّارة بالسوء، وذروة السوء في الدراما - كما في التاريخ - هي الحروب المدمّرة، و"المدمّرة " صفة ضرورية لما يُعاد تشكيل العالم على أساسه  من حروب.

ليس ما يعنينا في هذا السياق النوايا - سيئة أو حسنة - قدرَ ما هو مهمّ التأكيد على أن المطلق لا يمكن أن يكون معلّقاً بيد متغيّر، إلا إذا كان المقصود بالمطلق هو التغيير نفسه، وفي ذلك تفصيل فلسفي ليس هذا سياقه بحال.

ولأن الإجابة على السؤال عنوان الحديث ليس بوسعها أن تقاوم الفلسفة طوال الوقت فإننا نستميح القارئ عذراً في العودة على عجل إلى فكرتي "المطلق" و"المتغير" المذكورتين منذ برهة، لنؤكّد أن القدْر المطلق – إذا أمكن التعبير – في فكرة التغيير المتعلّقة بصناعة الأوطان (ومن ثم العالم) يكمن في القوّة. فالقوة بسائر أبعادها هي التي تمسك بالقلم - الأوضح خطاً والأثبت حبراً - الذي ما فتئ يرسم الأوطان ويعيد صياغة حدود اليابسة والماء والهواء سياسياً وهو يرى ضرورة التدخل فيما صاغته الجغرافيا بقدر أوفر حظاً من العدالة، والأخيرة تفسيرها لدى الأقوى بسيط، فهي كل ما يخدم مصالحة الخاصة، أو ما لا يتعارض مع أبسط تلك المصالح على أقل تقدير.

وإذا كانت صناعة العالم من شأن الدول العظمى، ولسنا مؤكّداً كذلك في هذه اللحظات من عمر الوجود، فإن ما يعنينا الآن هو صناعة الوطن الذي تَشكّل خلال تاريخه المديد على قوالب عديدة.

ليس من مشكلة في أن تتغير خريطة أي وطن بالزيادة أو النقصان، الكارثة أن تتشكّل الخريطة وليس في ذهن من يضعها تصوّر للطريقة التي ستتفاعل بها لاحقاً ما تضمّه من عناصر اصطُلِح على تسميتها بالوطن.

اللحظات التي تشهد ميلاد خرائط جديدة للأوطان تستحق لقب "لحظات خالدة" (المستهلَك في وصف أحداث الأمم المجبولة على المبالغة) إذا كانت الخرائط الوليدة جديرة بالفعل لأن تعيش أمداً طويلاً من عمر الوجود. والأمم المحظية هي تلك التي رسم أسلافُها أوطانهم وفي اعتبارهم أن الوقت المستقطع لإعداد القوة اللازمة لحماية خريطة الوطن المقترَح يجب ألّا يتعدّى بحال الوقت اللازم للتخطيط والعمل من أجل بناء الوطن ذاته.

إذا كانت الحروب هي مصنع الخرائط السياسية الأول للعالم، وقد أزاح الوجود في هذه اللحظات من عمره عن كاهلنا عبء المشاركة في صناعة العالم كما رأينا، فلا أجمل من أن نصنع بتفكير بليغ ورأي شجاع وطناً يصمد بتجانسه أمام الحروب فيشغلنا ببنائه ورفعته أكثر مما يُهمّنا بالذود عن حدوده.

التسميات: